طاهر سليمان حموده
298
جلال الدين السيوطي ( عصره وحياته وآثاره وجهوده في الدرس اللغوي )
سابقه وقد ذكر نسبة هذا القول إلى عباد بن سليمان من المعتزلة ، وبين أن جمهور اللغويين يكادون يطبقون على ثبوت المناسبة بين الألفاظ وبين المعاني ، والفرق بين مذهبهم وبين مذهب عباد أنه يراها ذاتية موجبة بخلافهم « 1 » . والقائلون بهذه النظرية وزعيمهم ابن جني يذهبون إلى وجود هذه الصلة في جميع ألفاظ اللغة فهو يقول : « فإن أنت رأيت شيئا من هذا النحو لا ينقاد لك فيما رسمناه ، ولا يتابعك على ما أوردناه فأحد أمرين : إما أن تكون لم تنعم النظر فيه فيقعد بك فكرك عنه ، أو لأن لهذه اللغة أصولا وأوائل فقد تخفى عنا ، وتقصر أسبابها دوننا كما قال سيبويه » « 2 » . وهذا القول يعني وجود مناسبة بين اللفظ والمعنى قد تقرب فيمكن إدراكها لكونها ظاهرة ، وقد تبعد فيمكن إدراكها بالتأمل ، أو لا يمكن إدراكها لإمكان تطور هذه الألفاظ عن أصول كانت تتضح فيها هذه المناسبة بين اللفظ ومدلوله وأحدث التطور فيها بعض التغيير الذي جعل إدراك هذه المناسبة بعيدا . وهذه النظرية تتصل في الواقع بالقول بنشأة اللغة عن الأصوات الطبيعية ، ولكن ذلك لا يعني أن القائلين بوجود المناسبة بين اللفظ ومدلوله يقولون بنشأة اللغة عن هذه الأصوات ، فجمهور اللغويين يرون هذه الصلة بين اللفظ ومدلوله بينما يذهبون في نشأة اللغة مذهبا آخر ، وابن جني نفسه الذي حكى نظرية نشأة اللغة على هذا النحو لم يقطع بقبوله لها وإنما ذكر أنه « وجه صالح ومذهب متقبل » وأتبع ذلك مستدركا بما يبين توقفه وعدم ترجيحه أحد القولين « 3 » . ويتضح مذهب السيوطي فيما عقب به على الأمثلة التي نقلها إذ يقول : « فانظر إلى بديع مناسبة الألفاظ لمعانيها ، وكيف فاوتت العرب في هذه الألفاظ المقترنة المتقاربة في المعاني ، فجعلت الحرف الأضعف فيها والألين والأخفى والأسهل والأهمس لما هو أدنى وأقل وأخف عملا أو صوتا ، وجعلت الحرف
--> ( 1 ) المزهر ج 1 ص 47 . ( 2 ) الخصائص ج 2 ص 164 . ( 3 ) الخصائص ج 1 ص 47 .